ما وراء الكلمات الرّنانة: أُسُس وتحديات التحول الرقمي في العراق وفرصهُ السانحة


ضفاف الاعسم

مديرة إدارة الائتمان الإقليمي (الشرق الأوسط وشمال إفريقيا)، غروفن 


أصبح "التحول الرقمي" عبارةً طنّانةً في عالم الأعمال، وغالباً ما يرتبط مفهومها بالاستغناء عن الورق أو تحديث الأنظمة. إلا أنه يتجاوز مجرد تطبيق التكنولوجيا ويتطلب تحولاً أساسياً في الثقافة والعمليات لتحسين تجربة العملاء والكفاءة التشغيلية. سنستكشف في هذا المقال العناصر الأساسية للتحول الرقمي والثورة التي يحْدثُها في صناعة الاستثمار، وما يواجهه من تحديات وما يصنعه من فرص فريدة في العراق.

عندما نعّرِف مفهوم التحول الرقمي، لابُدَ أن نتناول العمليات المُعقدة والمتعددة الأوجه التي ينطوي عليها. فإن تحقيق تحول ناجح يتطلب وضع استراتيجية واضحة وخطة تنفيذ لمواءمة العناصر الأساسية مع بعضها وتحقيق الأهداف والغايات العامة. وتشمل العناصر ما يلي:


الناس والثقافة:

يتطلب تحقيق الهدف العام لثقافة مكان العمل إدارة تحويلية فعالة لا تقتصر على استخدام الأدوات المتاحة وحدها، بل تستدعي في جوهرها إحداث نقلةٍ في العقليات، وزرع ثقةً في العملية. قد يقود تعريف الموظفين بمنافع التغيير لقبولهم له وتبنيه، بدلاً من إعاقة تقدمه.

ولتعزيز المرونة والابتكار والتعلم، من الضروري اتباع نهج استراتيجي وتعاوني لموالفة استخدام التكنولوجيا من المستخدم النهائي. ولإنجاز هذا الهدف، يمكن للشركات أن تنتهج عدة طرق، منها: 


  • استخدام الطرق المرنة وأدوات التعاون مثل Scrum و Kanban لإعادة ضبط طريقة إدارة الفرق للمشاريع، فهذه الأدوات تُسَهِلُ تقسيم المهام وتُسَرِعُ التكيف مع التغييرات. ويمكن لأدوات مثل تطبيقات الاتصالات وبرامج إدارة المشاريع أن تساعد في تحسين الكفاءة وجودة التنسيق بين الفِرَق، مما يقوي التعاون حتى في الفِرق التي أعضاؤها متباعدون عن بعضهم.

  • يعتبر تطوير المهارات أمراً محورياً لإعتماد التكنولوجيا في مكان العمل. يمكن للشركات توفير تدريب في مجال الأمن السيبراني والحوسبة السحابية وتحليلات البيانات، إلى جانب تطوير المهارات الأساسية لتعزيز قدرات فرَقِها.

  • من جوهريات إدارة التحول الرقمي داخل الأعمال هي إدارة التغيير الاستباقية والشاملة. يمكن للبرمجيات التي تقسم مبادئها وتتبع الوظائف الرئيسية، مثل رسم الخريطة الثقافية وإعداد تحليل أصحاب المصلحة وإدارة النزاعات، أن تساعد في دحض المخاوف وإيقاف المقاومة للتغيير. من خلال التحليل المستمر للبيانات، يمكن تنفيذ التعديلات في الاستراتيجية لزيادة الفعالية والتحكم في المواءمة مع الهدف العام. 


العمليات والبيانات والتكنولوجيا:

تستطيع الشركات الاستفادة من الفرص التي تتيحها مرحلة التحول للتخلص من الوظائف الزائدة عن الحاجة والنقوصات في تدفقات العمل القديمة، وتستطيع ضمان الأتمتة والإنتاجية الفعالة من خلال اتخاذ قرارات آنية بناءً على البيانات الملتقطة وإعادة تصميم عملياتها.

يكمن جوهر الثورة التحويلية في تحديد التقنيات ذات الصلة التي توفر الأدوات والحلول الرقمية الأساسية لالتقاط البيانات ودفع الابتكار، مما يحقق الهدف الأهم المتمثل في تعزيز تجرِبة العملاء بدون تكبد كلفة عالية.

ويمكن للشركات، بواسطة التركيز على هذه المجالات الرئيسية الثلاثة، أن تطور عملياتها ونماذج أعمالها وأن تستفيد إلى أقصى حد من الأدوات المتاحة. وشهدت إحدى الاستراتيجيات الرابحة تبني الشركات في جميع أنحاء العالم أمثلة على ما يلي: 


  • العمليات: في المقام الأول، تسعى الشركات إلى تغطية كامل نطاق عملياتها، ويُعّد رسم خرائط العمليات أساسياً لإنجاز ذلك لأنه يعطي نظرةً واضحة تسمح بدمج التكنولوجيا حيثما وُجِب دمجها. أدوات رسم خرائط العمليات عديدة وآخذةٌ بالتزايد، منها Microsoft Visio و Lucidchart، ويمكن لبرامج إدارة عمليات الأعمال (BPM) أتمتة وتبسيط التنفيذ. 

  • البيانات: يمكن للشركات تحويل معلوماتها المجمعة والتعامل معها كأصل من خلال تعظيم بياناتها. تعد إدارة دورة حياة البيانات وتحليلها أمراً أساسياً، والصناعة اليوم مغمورةٌ بأدوات وبرامج مختلفة للمساعدة في ذلك، وعلى الأخص منصات الذكاء الاصطناعي (AI) والتعلم الآلي (ML) التي يمكنها استغلال البيانات وتحديد الأنماط وصنع التنبؤات. 

  • التكنولوجيا: دمج التكنولوجيا المناسبة في عمليات التحول الرقمي قد يتسبب بنجاحها أو فشلها. تحتاج الشركات إلى مزيد من النظر في قابلية التوسع والمرونة اللاحقة وحماية المنظمة من الانتهاكات والهجمات الإلكترونية باستخدام برامج مكافحة الفيروسات وجدران الحماية وأنظمة الكشف عن التسلل، التي تعمل سوياً على تحقيق الهدف النهائي. 


التحول الرقمي والاستثمار

شهدت صناعة الاستثمار العالمية تحولاً مع اعتماد أحدث التقنيات التي تعالج العوامل الرئيسية مثل إدارة المخاطر وإدارة المحافظ الإستثمارية وإعداد التقارير، وتوفر نظرة ثاقبة لاتجاهات السوق وسلوكياتها، وتحسن الكفاءة التشغيلية. 

في المقدمة، استفاد العميل أيضاً من تجربة أحدثت ثورة تشمل بوابات الخدمة الذاتية والمنتجات والخدمات الشخصية وقنوات الاتصال الرقمية - لقد قطعنا بالتأكيد شوطاً طويلاً من الوقوف في طوابير في البنوك. 

ولقد أضحت لوائح ومعايير صناعة السوق العالمية أكثر صرامة بعد هذه التطورات. مع دمج التكنولوجيا ومعالجة البيانات في نسيج الصناعة، تتضخم الحاجة إلى حماية خصوصية وأمن المعلومات الشخصية. وينطبق هذا حتى في البلدان النامية التي أيضاً تطبق أنظمة لحماية البيانات الشخصية. كما شهدت متطلبات الضرائب ومراجعة الحسابات ومعايير مكافحة غسيل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب تطورات كبيرة في الضوابط بالتزامن مع إعتماد السوق بتزايدٍ على المعاملات عبر الحدود. 

وللإحاطة بكل ذلك، تقوم شركات الاستثمار بتقسيم مختلف المجالات للاستفادة من الفرص التي يتيحها التحول الرقمي، ويمكن تلخيصها على النحو التالي: 


عرض القيمة: 

من أجل الحفاظ على وضع مناسب وتنافسي، تضع الشركات تدريجياً احتياجات العملاء في صميم عملياتها. يجب أن تموضع الشركات نفسها لتكون قادرة على تلبية الاتجاهات والمطالب الجديدة عند ظهورها من خلال البقاء في المقدمة. بمجرد التركيز على العميل، ستضمن الشركات النمو والتواصل مع العملاء الجدد، وبالتالي رفع قيمة قاعدة عملائهم الحالية وأي أعمال جديدة مكتسبة. 

الابتكار:

سمحت عمليات التجربة والخطأ في مرحلة التصميم والتطوير، التي تسارعت بفعل ظهور الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة، للشركات بتسريع الكثير من تجاربها، والتقاط الدروس المستفادة بسرعة، والسماح بتدفق الابتكار.

البيانات: 

البيانات هي النفط الجديد في الاقتصاد الرقمي. يمكن للشركة أن تفتح الفرص بكفاءة وسرعة، وتخفيف المخاطر وتنويع عروضها من خلال الاستثمار في مراكز البيانات. من خلال الاستفادة من تحليل البيانات والتكنولوجيا، يمكن للشركات اكتساب رؤى حول كيفية تفاعل عملائها، والتصرف، وفي النهاية ما يدفعهم إلى اتخاذ قرارات الشراء، وكلها يمكن أن تفيد وتوجه عملية صنع القرار الناجحة. 

علاوة على ذلك، استفادت صناعة الاستثمار استفادةً كبيرة من مختلف منصات المراجع الائتمانية التي تزود المستثمرين برؤية قيمة عن الشركات المُستثمَر فيها. تساعد هذه المنصات المستثمرين على اتخاذ قرارات مستنيرة حول عوامل الخطر المحتملة وخلق المزيد من الفرص حيثما أمكن، والتحول من الممارسات القديمة والمؤسسية. 

العميل: 

لقد غيرت الطفرة في التكنولوجيا الرقمية كيفية تواصل الشركات مع العملاء حتى أصبحت الأساليب التقليدية عتيقة وغير مجدية. سواء من منظور التسويق أو المبيعات أو خدمة العملاء، شهد الدافع لتحسين التجربة تطوير برامج وأدوات ومنصات لا حصر لها، تتنافس جميعها مع أحدث التقنيات. حتى مسألة بسيطة مثل اللافتة خارج المتجر ربما خضعت لتحليل دقيق لجذب انتباه العملاء. 


التحول الرقمي وموقف العراق

بينما يتطلع العراق إلى المستقبل في عالم ما بعد كوفيد -19؛ كان هناك تركيز متزايد على التحول الرقمي. تشمل العديد من المبادرات البارزة التي أُجرِيت في هذا المجال ما يلي: 

  • وقعت الحكومة العراقية مذكرة تفاهم مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لدعم التحول الرقمي في تموز 2022.

  • نشر إقليم كوردستان استراتيجيته للتحول الرقمي في تشرين الأول 2022.

  • في آذار 2023، أطلق العراق بوابة إلكترونية لجوازات السفر تمثل أول عملية إلكترونية للتوثيق الرسمي من نوعها في البلاد.

ورغم هذه الجهود، ما يزال البلد يواجه حواجز صعبة العبور قد تمنعه من الدخول والمشاركة في الاقتصاد الرقمي العالمي. تتمثل إحدى هذه التحديات في البنية التحتية الرقمية المُهملة وغير الكافية التي تضم مؤسسات الإنترنت/النطاق العريض (Broadband)، وبدلات الاتصالات الرقمية، ومراكز البيانات، والخدمات السحابية، وبوابات المؤسسات. 

يفتقر العراق أيضاً إلى إطار قانوني وتنظيمي قوي يمكن أن يكون بمثابة العمود الفقري ويسمح للأفراد والشركات باستكشاف المشهد الرقمي. لم تُتخذ تدابير كافية للحماية من الانتهاكات الأمنية وخصوصية البيانات. قد يؤدي نقص جهود العراق في تنفيذ الضوابط إلى تثبيط الاستثمار والابتكار اللذان يتحققان بالشفافية والمساءلة. 

يمكن أيضاً رؤية تناقض صارخ في التحول الرقمي بين القطاعين العام والخاص. مع ظهور صناعة التجارة الإلكترونية في العراق، يبدو أن الشركات الناشئة المبتكرة وشركات حلول التكنولوجيا المالية رائدة في المشهد الرقمي. ومع ذلك، لا تواكب خدمات القطاع العام التطور الحاصل في العالم، وما تزال تعمل وفق ممارسات جامدة دون مركزية حقيقية. على سبيل المثال، في مراجعةٌ قمنا بها مؤخراً في إحدى الدوائر في بغداد لتجديد بعض الوثائق الرسمية، اضطُررنا لنقل أوراق المعاملة 12 مرة بين أربعة مكاتب موزعة على ثلاثة طوابق في مبنى حكومي، واستغرق إكمال المعاملة اكثر من خمس ساعات - دُوِنَ فيها كل شيءٍ يدوياً، ولم يُستَخْدم جهاز الحاسوب إلا مرة واحدة. 

يُعَدُ تغيير العادات والثقافة أكبر عقبة في طريق تحقيق الهدف التحويلي في العراق، ويؤدي غياب المهارات والدراية والثقة إلى إعاقة عمليات التنفيذ. ففي مجتمع قائم على النقد، ما تزال فيه معدلات الأمية مرتفعة والنظام التعليمي متأخرٌ مقارنةً بالعالم، قد يكون تبني التحول الرقمي محدوداً من حيث العرض والطلب. 

لكن رغم كل هذه المشكلات، ما تزال فسحة الأمل واسعة، فإن جيلاً جديداً من الأفراد ورجال الأعمال المبتكرين والمتحمسين والمحترفين يقودون الطريق ويخلقون بيئة رقمية ذاتية التنظيم تستحق التقدير على مستوىً عالمي. 

كما تخطو استراتيجية التحول الرقمي المُنَفَذةُ في إقليم كردستان خطوات كبيرة، مع العمل الجاري لإنشاء مستودع بيانات مركزي. هذا بالإضافةً لبرنامج الشمول المالي الذي أُطلقته حكومة الإقليم مؤخراً تحت إسم "حسابي"، وهو مبادرة ستسمح لموظفي الخدمة المدنية بالوصول إلى الخدمات المصرفية بالتجزئة باستخدام البطاقات المصرفية مما يوسع استخدام أنظمة الدفع الرقمية. كما تحدد الاستراتيجية تفاصيل حول الحوكمة الرقمية والهيكلية، ورأس المال البشري، والتصميم المتمركز حول المستخدم، والأمن والخصوصية، والمشتريات. وعلى وجه الخصوص، تسلط الاستراتيجية الضوء على الشفافية والمساءلة وتقويهما. 

قد يكون زرع بذرة التغيير مع تطبيق جواز السفر الإلكتروني الخطوة الأولى للحكومة الفيدرالية العراقية لاختبار كيفية تنفيذ التحول الرقمي وقياس رد فعل الجمهور على تغيير العادات. إنّ هذا التحول جديرٌ بالمراقبة وقد يكون مؤثراً على ما يليه من خطوات. 


الخاتمة

لتنفيذ التحول الحقيقي بنجاح، يجب أن يكون هناك التزام على أعلى مستوى. ومع ذلك، لا يمكن لهذا الالتزام أن يؤتي ثماره دون إشراك جميع أصحاب المصلحة المعنيين، سواء داخل القطاعين الخاص أو العام. حتماً سيدفع التوافق بين المعنيين على هذا الهدف عجلة التحول الرقمي إلى الأمام. 

كما هو الحال مع مبادرة حكومة إقليم كردستان، هناك حاجة إلى المساءلة والشفافية وتشجيعهما، ويمكن للعراق بل ويجب عليه أن يتطلع إلى المستقبل؛ وأن يعتمد على قطاعه الخاص لتوفير المزيد من الفرص وحلول تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وأن يقطع دابر الخطاب السلبي السائد الذي لا ينتهي. 

التحول الرقمي هو فرصة يمكن أن توفر عمليات غير مكلفة، وترفع مستوى المهارات والتعليم، وتمهد الطريق للاستثمار العالمي، وتخلق فرص العمل، وتتغلب على ما تراكم من تعثرات السنين الماضية. 

سيحقق البلد أهدافه عاجلاً وليس آجلاً من خلال استثمار الوقت والجهد والمال في البنية التحتية والتنظيم والتعليم والمبادرات. وسيحدث التغير لا محالة، فما هي إلا مسألة وقت. 



More Arabic Articles

تحول التعليم الجامعي في كوردستان العراق: اجتياز العقبات وتبني التغيير الإيجابي

واجه التعليم في إقليم كوردستان العراق العديد من التحديات في الماضي، لكنه أيضاً شهد تحولاً مطرداً في السنوات الأخيرة. لقد أدرك الإقليم... read more

أدوار جامعية رائدة: الجامعة الأمريكية في السليمانية تقود المشاركة الجامعية في تطور ريادة الأعمال في العراق

في عصر التقدم التكنولوجي السريع والتواصل العالمي، عادة ما يتردد على أسماعنا مصطلح "ريادة الأعمال" في قاعات التجارة والأعمال، هذه الكلمة الرنّانة،... read more

تشكيل الغد: إعداد الشباب العراقي لسوق العمل

"الأمة التي لا تفكر بالشباب هي أُمةٌ تخطط للانتحار." لا شك بأن الشباب هم قادة المستقبل، وإنَّ عدم إشراكهم واحترام دورهم في... read more

مجموعة جيهان: نسج تراث من الابتكار في مُختَلَف القطاعات

تُعدُّ مجموعة جيهان من شركات التصنيع الرائدة في إقليم كوردستان العراق، وقد نَمَت على مدى العقود المنصرمة منذ بداياتها الأولى في صناعة... read more

رسم خريطة بيئة ريادة الأعمال العراقية - ملخص بحث

لقد تحول اقتصاد العراق من الاشتراكي القائم على نموذج دولة الرفاهية إلى اقتصاد أكثر رأسمالية. وتطور مشهد ريادة الأعمال في البلاد على... read more

سوق الشركات الناشئة في العراق: الكشف عن الفرص غير المستغلة-ملخص التقرير

لم تكن الكثيرُ من الشركات الكبيرة التي نعرفها اليوم إلّا أفكاراً جالت في بال مؤسسيها. والأفكار التي تلبي الاحتياجات الحقيقية قادرة على... read more

Posted in on Wednesday, 23rd August, 2023