العراق وجهةً نهائية؟ محاولات لبناء سياحة بيئية مزدهرة


عيسى محمد

محرر، بزنس لاندسكيب


تربط العراق علاقة تاريخية عميقة بطبيعته، والبصمة التي رسمها تغيُر المناخ على هذه الأرض واضحةٌ في حضارته وهويته الوطنية. ففي ملحمة جلجامش، العمل الأدبي الأقدم في التاريخ، يحارب بطل الرواية العوامل الطبيعية واحداً تلو الآخر، حتى ينتهي إلى مواجهة قصة الفيضان العظيم في سعيه للخلود. وما انفصم اقتران اسم هذه الأرض ببيئتها منذ أن احتضن مهدها أول حضارة في العالم، فأطلق عليها اليونانيون اسم ميسوبوتاميا، أَي "بلاد ما بين الأنهار"، والعرب سموها وادي الرافدين، ونمت على أرضها الخصبة وترعرعت ثقافاتٌ كُثُرٌ تعانقت مع طبيعتها، فالمَنْدائِيُّون لزموا ضفاف أنهارها، وارتقى الأكراد جبالها، والعرب سكنوا أيشانات أهوارها، والبدو جابوا صحاريها.

لكن الخطر اليوم يحيق بمعظم أنماط العيش هذه، فالتغيُر الحالِيُ في المناخ شديد وغير مسبوق. لقد انعكس التأثير المضاعف لهذا التغيُر على جميع أوجه الحياة في البلد. ورغم أن الحديث حول تغير المناخ مازال مستمراً، إلَّا أنّ هذا الحديث أهمل  جزئية السيّاحة، وبالأخص البيئية منها، وهي واحدة من أكثر القطاعات ارتباطاً بالمناخ، فإمكانات السيّاحة البيئية هائلة وتَصلُح لأن تكون مصدراً مهماً لتوفير فرص العمل والترفيه. 

السيّاحة هي من أكثر القطاعات نمواً في العراق ومن أكثرها ربحاً في جميع أنحاء العالم، إذْ يُشكل هذا القطاع 10٪ من القوى العاملة العالمية. ونظراً لأن العراق يعيش حالة صراع مستمرة منذ عام 1980، فقد تعرَض هذا المورِدُ الطبيعي للإهمال وسوء الإدارة وخسر جاذبيته في الاستثمار من القطاعين الخاص والعام. ومع ذلك، بما أن العراق يمر بفترة سلم نسبية، فقد بدأ ينتعش انتعاشاً بطيئاً لكنه ثابت.

يتوضح هذا الانتعاش في الزيادة الحاصلة في عدد المسافرين، فوفقاً لهيئة الطيران المدني العراقية، بلغ إجمالي عدد الزوار الأجانب في 2021 ما يقارب 4,908,797 زائراً، مسجلاً زيادة بنسبة 145% عن عام 2020. وتجلت هذه الزيادة في كأس الخليج الأخير الذي أقيم في البصرة الذي سَرَعَ من نمو القطاع. ورغم هذا التَحَسُن، أصبح تغير المناخ عقبة جديدة أمام الشركات الناشئة وقطاع السياحة عموماً، لأنه يشكل الكثير من التحديات لأعمالها.


الدليل إلى نقطة تلاقي الأفق مع الواقع 


تحدثت بزنس لاندسكيب مع أحمد عودة، المؤسس المشارك لشركة "Wen"، وهي شركة سياحية ناشئة تعمل في هذا القطاع منذ عام 2019، ليعطينا بعض الأفكار حول التحديات التي يسببها تغير المناخ لقطاع السيّاحة. يقول أحمد أنّ "قطاع السيّاحة شهد على مدى العامين الماضيين بعض التطورات الطفيفة من حيث الأنشطة السيّاحية والمؤتمرات المصممة لتشجيع السيّاحة وزيادة عدد السُيّاح الأجانب. ومع ذلك، فقد خيم ظل تغير المناخ على هذه التطورات. لقد تلاشت العديد من المعالم البيئية في العراق بسبب الجفاف الذي قضم البحيرات والمساحات الشاسعة من الأهوار في جنوب العراق حتى غدت أراضٍ جرداء بعدما كانت معالماً سياحيةً بارزة". كما عرَّجَ أحمد على تأثير تغير المناخ المباشر على أعمالهم قائلاً "أنّ الجفاف والتصحر قد تسببا في انخفاض أنشطتنا السيّاحية وقد أجبرتنا الزيادة الهائلة في درجة الحرارة على تقليل عدد رحلاتنا السيّاحية إلى مدن الجنوب".

تُصَدِق البيانات كلام أحمد، إذ يبين تقرير كابيتا، "نظرة عامة على تغير المناخ"، أنّ درجات الحرارة في العراق قد تضاعفت في العقدين الماضيين. وأضاف أحمد: "فتك الجفاف بالعديد من المسطحات المائية، مثل هور الشويجة في واسط، مما دفعنا إلى إزالته بالكامل من قائمتنا. هناك أيضاً العديد من الأراضي الخضراء التي اعتدنا زيارتها التي تصحرت الآن بسبب قلة هطول الأمطار والتلوث، مثل زرباطية في واسط". اعتباراً من عام 2021، تحول حوالي 16٪ من أراضي واسط إلى صحراء قاحلة، ويهدد الجفاف 30.51٪ من أراضي المحافظة. ولا تأخذ هذه الأرقام في الحسبان المناطق الحضرية التي ابتلعت مساحات شاسعة من الأراضي الخضراء.

أخبرنا مؤسس الشركة الناشئة للسياحة البيئية، "Guru Camp"، علي جاسم، الذي يعِّد نفسه ناشطاً بيئياً بالإضافة لكونه صاحب عمل، عن التحديات التي يواجهونها في هذا المجال. يقول علي: "بصفتنا نشطاء وأصحاب أعمال في نفس الوقت، تقع على عاتقنا مسؤولية تثقيف العملاء، وليس مجرد نقلهم إلى المواقع السيّاحية. هدفنا هو ربطهم بالطبيعة، وتوعيتهم بقوتها الملهمة، وضرورة حمايتها من الكوارث التي من يصنعها الإنسان".


الزائر الأصفر: ضيف ثقيل على السيّاحة


يقول عليٌ واصفاً تأثير تغير المناخ على أعمالهم: "تُشَكِل العواصف الترابية وأنماط الطقس غير المتوقعة تحدياً صعباً عند التخطيط لرحلاتنا السيّاحية. فالعواصف الترابية تضرب من دون سابق إنذار، مجبرةً إيّانا على تغيير خططنا. يلتزم عملاؤنا، الذين معظمهم موظفون وطلاب، بخطط مُعَدةٍ مسبقاً ليلتحقوا برحلاتنا، وقد نخسر من 20% إلى 30% منهم إذا ما غيرنا مواعيدنا، لذا نضطر لتغير الموقع بدلاً من التوقيت. يحبط هذا عملائنا في بعض الأحيان، لكننا نحاول أن نشرح لهم أن ما بيدنا حيلة، وأننا نقدم لهم الخطة البديلة، ويتفهم معظمهم الظروف".

أكد عليٌ إنَ تحدي العواصف الترابية يعيق عملهم حتى أنّه دفعهم إلى تبني طرق جديدة في استكشاف المواقع بعد أن هبَّت عليهم ذات مرة عاصفة ترابية مفاجئة أجبرتهم على ترك الموقع الذي كانوا يستكشفوه بجوار آثار بابل والبحث عن مأوى. يقول علي: "علمنا هذا الحادث أننا بحاجة إلى تغيير طريقة استكشافنا. والآن تشمل رحلاتنا الاستكشافية البحث عن مواقع التخييم التي فيها مصدات طبيعية وغير طبيعية. إذ أدركنا أننا بحاجة إلى الاستكشاف في مواقع داخل وادٍ أو بجانب تل أو بجوار سد، فهذه الحواجز ستحصننا من العواصف الترابية المفاجئة. كما نستشير خبراء الأرصاد الجوية للحصول على فكرة عمّا يمكن توقعه."

ومن الأمثلة على شدة تأثير العواصف الترابية هي أغلاق عدة مطارات عراقية بسببها في نيسان 2022، لتخنق صناعة السيّاحة أكثر بعد إقصائها مدناً مهمة في جميع أنحاء البلاد، وهي بغداد وأربيل والنجف والسليمانية. وبحسب المدير العام لوزارة البيئة العراقية، فقد ارتفع عدد الأيام المغبرة كل عام من 243 إلى 272 في عام 2022 ومن المتوقع أن يصل هذا العدد إلى 300 بحلول عام 2050. 


الوجهة المطلوبة: مركز للسياحة البيئية


يشعر عليٌ بقلق عميق إزاء المستقبل الضبابي للسياحة البيئية، ويعتقد أن الخطر سيظل قائماً ما لم تُـتَخذ تدابير جدية. يقول علي: "أولا، يجب أن يكون هناك وعي حكوميٌ على مستوى عالٍ بأهمية السيّاحة البيئية، ويجب أن تُبذل الجهود لتيسير تقدمها في العراق. ثانياً، يجب أن يفهم الشعب أن للعراق تضاريس متنوعة؛ بمجرد أن نبدأ في رؤية العراق من تلك الزاوية، يمكننا بسهولة أن نرى أن أنه مجموعة من النظم البيئية.

وأضاف عليٌ أنّ "على وزارة السيّاحة أن تأخذ زمام المبادرة في دعم السيّاحة البيئية والترويج للعراق على أنّه مركز لها. فهذه دوّل الجوار تستثمر الملايين في الترويج لصناعات السيّاحة البيئية باستقطاب المدونين المشهورين عالمياً لعرض معالمهم ووجهاتهم السيّاحية للجمهور في جميع أقطار الأرض. هذا مثال على الخطوات المتحتم أخذها لخلق مستقبل للسياحة البيئية، وإلا فسيظل العراق متأخراً عن الركب بعقود." ومع ذلك، يحذر عليٌ من الآثار السلبية لبعض الاستثمارات الحالية التي تحول المناطق البيئية ذات الطبيعة الخلابة إلى مناطق تجارية تعج بالمباني الخرسانية، مضيفاً: "يبحث السُيّاح البيئيون عن الطبيعة، لا عن المباني والمدن الحضرية التي تركوها وراءهم." واضاف ايضاً "إنّنا بحاجة إلى مزيد من الوعي حول مفهوم السيّاحة البيئية. وعلى الحكومة تحمُل مسؤولية ضمان ازدهار هذا القطاع. بيد أنها ليست صاحب المصلحة الوحيد فيه، إذ يجب أن يمتلك النشطاء البيئيون أيضاً روح المطاولّة والمثابرة في مواجهة تلك التحديات." وأضاف أحمد عودة مؤكداً على ما ذكرهُ علي جاسم عن الحاجة لنشر الوعي: "ما يزال هناك نقص في الوعي بالسيّاحة عموماً، وبالتالي فإن تعزيز السيّاحة البيئية سيواجه تلكؤاً وعدم استجابة من كل من السُيّاح والسكان المحليين على حد سواء. نحن بحاجة إلى زيادة الوعي وتثقيف الناس حول أهمية البيئة وحمايتها وعرض المخاطر المرتبطة بتغير المناخ على السكان، وخاصة سكان المناطق الريفية. ويجب أن يضطلع جميع أصحاب المصلحة في هذا الجهد."

إنَ توفر البيانات في قطاع السيّاحة العراقية أمر مهمٌ لتطويرها، وتقف ندرتها عائقاً في طريق ازدهارها، وقد شهدت هذه البيانات انخفاضاً مطرداً خلال العقود الأربعة الماضية بسبب الصراع المستمر. لم تُجرى الكثير من الأبحاث التي تحدد شكاوى هذا القطاع الواسع، ناهيك عن هذا القطاع الفرعي. لكي تزدهر السيّاحة البيئية، يجب وضعها في على قمّة الأولويات ومناقشتها على نطاق أوسع. يعتقد أحمد عودة أن "على السُيّاح أنفسهم أن يفهموا موضوعات التصحر وتغير المناخ ومسؤوليتهم الفردية تجاه حماية البيئة." اختتم علي جاسم في ملاحظة أخيرة قالها بنبرة متفائلة: "هذا ما نحاول التثقيف بشأنه في جميع أنشطتنا تقريباً،" مؤكداً أنه متيقن أن "عمل نشطاء البيئة كعمل قطرات الماء التي باستمرارها تستطيع ان تحفر ثقباً في الصخر." بين وجهة النظر المتفائلة والمتشائمة، هل سيصبح العراق مركزاً للسياحة البيئية؟ انت، لأنك من هذه الارض، فالقرار عائدٌ لك.




More Arabic Articles

تحول التعليم الجامعي في كوردستان العراق: اجتياز العقبات وتبني التغيير الإيجابي

واجه التعليم في إقليم كوردستان العراق العديد من التحديات في الماضي، لكنه أيضاً شهد تحولاً مطرداً في السنوات الأخيرة. لقد أدرك الإقليم... read more

أدوار جامعية رائدة: الجامعة الأمريكية في السليمانية تقود المشاركة الجامعية في تطور ريادة الأعمال في العراق

في عصر التقدم التكنولوجي السريع والتواصل العالمي، عادة ما يتردد على أسماعنا مصطلح "ريادة الأعمال" في قاعات التجارة والأعمال، هذه الكلمة الرنّانة،... read more

تشكيل الغد: إعداد الشباب العراقي لسوق العمل

"الأمة التي لا تفكر بالشباب هي أُمةٌ تخطط للانتحار." لا شك بأن الشباب هم قادة المستقبل، وإنَّ عدم إشراكهم واحترام دورهم في... read more

مجموعة جيهان: نسج تراث من الابتكار في مُختَلَف القطاعات

تُعدُّ مجموعة جيهان من شركات التصنيع الرائدة في إقليم كوردستان العراق، وقد نَمَت على مدى العقود المنصرمة منذ بداياتها الأولى في صناعة... read more

رسم خريطة بيئة ريادة الأعمال العراقية - ملخص بحث

لقد تحول اقتصاد العراق من الاشتراكي القائم على نموذج دولة الرفاهية إلى اقتصاد أكثر رأسمالية. وتطور مشهد ريادة الأعمال في البلاد على... read more

سوق الشركات الناشئة في العراق: الكشف عن الفرص غير المستغلة-ملخص التقرير

لم تكن الكثيرُ من الشركات الكبيرة التي نعرفها اليوم إلّا أفكاراً جالت في بال مؤسسيها. والأفكار التي تلبي الاحتياجات الحقيقية قادرة على... read more

Posted in on Thursday, 13th July, 2023