بيئة الأعمال لرأس المال المُخاطر في العراق: تحديد الثغرات والتغلب على قصور القوانين واللوائح 


سيرجي آيروت

شريك، مكاتب آيروت للمحاماة

بغداد، العراق


يُعَدّ العراق سوقاً يصعب إهمالهُ وذلك لأنّه رابع أكبر الشعوب بين الدول العربية بأكثر من 41 مليون نسمة. ومع ذلك وعلى مدى السنوات الثلاثين الماضية، تتابعت العقوبات والحروب وتأزم الوضع الأمني وتفشت الاضطرابات الاجتماعية والسياسية حارمةً العراق من فرصة النمو الاقتصادي التي استفاد منها جيرانه الأقل سكاناً وموارداً. واجهتْ بيئة الأعمال للشركات الناشئة ورأس المال المخاطر مصيراً مشابهاً أيضاً.


إذ أصبحت بيئة الأعمال لرأس المال المخاطر في العراق أكثر نشاطاً على مدى السنوات الثلاث الماضية. فأخذت مسرعات الأعمال والحاضنات بالتحسن وهم الآن ينظّمون برامج إرشادية وأنشطة أخرى لدعم تطوير الشركات الناشئة في العراق. ومع ذلك، ظلّ تمويل رأس المال المخاطر في حدّهِ الأدنى مقارنة بالدول الأخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.


فهناك تحديات عديدة منعت أصحاب رؤوس الأموال من الاستثمار في العراق، ونتيجة لذلك فإنّ معظم الاستثمارات التي تجري في مشهد الشركات الناشئة العراقية تأتي من مستثمرين مخاطرين محليين.


التحدّيات


لقد أهمل المشرّع العراقي أهمية الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المشاريع الصغيرة والمتوسطة وفشلوا في تطوير بيئة أعمال تجذب مشاريع تجارية جديدة.

تواجه صناديق رأس المال المخاطر والشركات الناشئة العديد من التحديات في العراق. في حين أن بعض هذه التحديات تتعلق بعدم الاستقرار السياسي في البلاد، فإن العديد من التحديات الأخرى ترتبط بشكل أكبر بالنظام القانوني والقوانين واللوائح.


- قيود المُلكية الأجنبية

نشأت الشركات والاستثمارات الأجنبية في العراق وتطورت بموجب القواعد واللوائح التي نص عليها قانون الشركات رقم 21 لعام 1997 بصيغته المعدلة في عام 2004. فيما عدا قيود الملكية الأجنبية التي شُرِّعت في عام 2017، شهد قانون الشركات العراقي تحديثات محدودةً وفشل في تلبية متطلبات الاستثمار الأجنبي المباشر واحتياجات رأس المال الاستثماري. من المؤسف أنّ المشرع العراقي قد قرر إدخال أحكام في عام 2017 تحِد الملكية الأجنبية في الشركات العراقية إلى تسعة وأربعين بالمائة (49٪) فقط، بينما خففت دول عربية أخرى مثل هذه الإجراءات التقييدية واباحت الملكية الأجنبية الكاملة لتشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة.


- أحكام القانون التجاري غير المواكبة للتطوّر

من الممارسات الشائعة في السوق في معظم البلدان أنّه عندما ترغب شركة ناشئة في جمع الأموال من خلال جولات مختلفة، فإنّها تختار هيكل شركة مساهمة مع فئات متعددة من الأسهم. 

في حين أنّ قانون الشركات العراقي أدخل عدة أنواع من الشركات، بما في ذلك الشركات ذات المسؤولية المحدودة والشركات المساهمة الخاصة، فقد أظهرت الممارسة على مرّ السنين أنّ تأسيس شركة مساهمة خاصة في العراق أمرٌ معقد ويتطلبُ وقتاً طويلاً وتكاليفاً لا تستطيع الشركات الناشئة تحملها. لذلك، كان الهيكل الأكثر استخداماً في العراق هو الشركة ذات المسؤولية المحدودة.

استخدمت الشركات العراقية هياكل الشركات المساهمة على مدى السنوات الماضية في العراق سعياً منها بأن يُطرح اسمها في البورصة أو لأنّها ألزمت بالقوانين النافذة بذلك. وعلى سبيل المثال فقد عملت شركات الاتصالات لسنوات وفق هيكل المسؤولية المحدودة حتى أُجبِرَت على التحول إلى شركات مساهمة. إضافةً إلى ذلك فالشركات في العراق لها تصنيفات عديدة للأسهم بمزايا وامتيازات مختلفة. 

وكجزءٍ من التطور الحاصل لإنشاء بيئةِ أعمالٍ أجدى وأنفع، على المشرعين العراقيين استحداث هيكل مبسط للشركات المساهمة الخاصة يُشابه الهيكل الذي قُدَمه المُشرِع الفرنسي قبل بضع سنوات، والذي أصبح أكثر الهياكل شيوعاً للشركات في فرنسا. مثل هذا الهيكل المبسط من شأنهِ أن يُسهّل الإجراءات ويسهل إدارة الشركات المساهمة الخاصة. وكذاك على المشرعين تقديم إمكانية وجود فئات مختلفة من الأسهم مع حقوق التصويت أو عدم التصويت، معطيةً الأولوية لتوزيع الأرباح أو التصفية.


- عدم استقرار الحكم القضائي

بالإضافة إلى ما سبق ذكره، هناك الكثير من التخلخل في الأحكام القضائية في العراق عندما يتعلق الأمر بإنفاذ السندات القابلة للتحويل وكذلك إنفاذ اتفاقيات المساهمين وترتيبات الشراكة الأخرى.


الحل


في ضوء المعوقات المذكورة سابقاً، هناك العديد من الهياكل التي تُيسّر تلك التحديات وتسهل استثمارات رأس المال الأجنبي في العراق، وننتهز الفرصة هنا لرسم ما نعتقد أنّه الهيكل الأمثل من حيث التكلفة والوقت ومن حيث كونه صديقاً للمستثمر.

- أول ما على المستثمرين فعله هو دمج كيان ذو أغراض خاصة خارج العراق للسماح بامتلاك شركة مساهمة ذات فئات متعددة من الأسهم مع حقوق التصويت وعدم التصويت داخل إطار ولايةٍ قضائيةٍ ذات تشريعات مرنة ومستقرة.

- يعدّ اختيار الولاية القضائية في حدّ ذاته تحدياً ويجب أن يستند إلى عدة معايير أهمها سرعة التنفيذ والمتطلبات التنظيمية وتكلفة التنفيذ. 

- يجب أن يُنَظَمَ أي كيان ذو أغراض خاصة يهدف إلى الاستثمار في العراق في نطاق اختصاصه للتأسيس. من الضروري التأكيد على أنّ حجم التمويل يشكل عاملاً مهماً في اختيار الولاية القضائية لأنّ العديد من الولايات القضائية المنظِمة يمكن أن تكون مكلفة للغاية (على سبيل المثال، جزر كايمان). بالإضافة إلى ذلك سيتعيّن على الجهة التنظيمية إجراء تقييم دقيق لهويّة الشركاء المحدودين وشركات المحفظة المالية ومسك الدفاتر والإقرارات الضريبية والحسابات الختامية المدققة.

- للاستثمارات التي ستجري في العراق، يوصى بإنشاء كيان ذو أغراض خاصة في سوق أبوظبي العالمي. فقد أثبت سوق أبوظبي العالمي على مدى السنوات الماضية أنّه منصة موثوقة مع جهة تنظيمية حسنة السمعة وهو أيضاً قليل التكلفة وموفّرٌ للوقت. بالإضافة إلى ذلك، تظل القوانين واللوائح المعمول بها في سوق أبوظبي العالمي مستوحاة من القوانين الإنجليزية.

مع وجود الكيان ذو الأغراض الخاصة من سوق أبوظبي العالمي فلن يواجه الشركاء المحدودين في الشرق الأوسط أي مشكلات امتثال طالما أنّهم يتمتعون بسمعة طيبة. بالإضافة إلى ذلك يمكنهم تنفيذ شريك عام بهيكل شريك محدود تحت مظلة اتفاقية شراكة محدودة تحكم علاقة المستثمرين. وبعدها يستحصل الكيان ذو الأغراض الخاصة من سوق أبوظبي العالمي اشتراكاً أفَلِياً لشركات المحفظة المالية في العراق.

- يعالج الحل السابق جزءاً من التحديات الموضحة أعلاه، ومع ذلك ما تزال العديد من التحديات العالقة طالما كان مقر شركة المحفظة في داخل العراق. لذلك فإن أي رأس مال مخاطر يجب أن يحصٍرَ ضخ رأس المال في المؤسسة عن طريق شركة محفظة تابعة لكيان قانوني خارج العراق. مثل هذا الكيان القانوني سيكون له نفس هيكل المساهمة الموجود في شركة المحفظة العراقية. 

- سيتعيّن على الكيان العراقي تدريجياً نقل أصوله غير الملموسة إلى الكيان الأجنبي حديث التأسيس والاستفادة من أي ملكية فكرية طورها هذا الكيان القانوني حديثاً. وبهذه الطريقة سيصبح الكيان العراقي شيئاً فشيئاً مزود خدمة للكيان الأجنبي الذي سيصبح مالكاً لأي سمعةٍ تجارية وملكية فكرية وأية أصول أخرى. وبالتالي فإن استثمار أي شركة لرأس المال الاستثماري سيصبح خاضعاً لولاية قضائية أكثر استقراراً ولديها آليات إنفاذ فعالة. 

- إنّ اختيار الولاية القضائية التي يجب أن تنتقل إليها شركة المحفظة العراقية يمثل تحدياً أيضاً وسيختلف اعتماداً على العديد من المعايير. ومع ذلك فستظل خطة نمو شركة المحفظة والمناطق المستهدفة أهم عامل في هذه العوامل، حيث يهدف إلى تطوير عملياتها واستهداف المستثمرين الذين تسعى إلى استدراجهم. 

في حين يمكن تبني هياكل مختلفة للتغلب على التحديات وتحفيز استثمار رأس المال الاستثماري في العراق يبقى المفتاح لإيجاد فرص جذابة بقيادة مؤسسين لديهم القدرات اللازمة لنقل شركتهم الناشئة إلى المستوى التالي.



Posted in on Sunday, 6th November, 2022